اسماعيل بن محمد القونوي
49
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
اللزوم وكذا الخطط لحدود اللّه تعالى استعارة مصرحة تحقيقية والمراد بالحدود محارمه وفيه إشارة إلى قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [ البقرة : 229 ] الآية ولقد أعجب حيث عبر عن الاتصاف بهذا المقام بالمشارفة أولا والتجاوز ثانيا خلع ربقة الإيمان الربقة بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها قاف وهاء حبل فيه عروة تشد بها البهائم والأسير ويجعل في العنق ليقاد بها ففي الكلام استعارة مكنية وتخييلية إذ شبه الإيمان في النفس بالحبل في كونهما وصلة إلى المقصود وهو مكنية وأثبت له ما هو من رديف الحبل وهو الربقة أعني العروة وهذا الإثبات تخييلية وذكر العنق ترشيح والأحسن أن يحمل الكلام على الاستعارة التمثيلية فتوجه وكن على بصيرة ولابس الكفر فيه استعارة تبعية والمفعول قرينتها وصيغة المفاعلة للمبالغة أثر المبالغة ولو أريد الملابسة والمصاحبة فلا مجاز قوله لا يسلب عنه اسم المؤمن لكونه مؤمنا لكونه متصفا بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان فإذا تحقق المسمى فيه فلا يصح سلب اسمه عنه وفيه نوع رمز إلى أن الإيمان هو التصديق والإقرار شرط لا شطر وقد رجح كونه شطرا فيما مر ويمكن العناية قوله ولقوله تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ [ الحجرات : 9 ] الآية . هذا دليل نقلي على المدعي حيث أثبت اسم المؤمن على مرتكب الكبيرة ولم يسلب عنه لكنه دليل أني والأول برهان لمي قيل وإنما شرط الاطلاع عليه لأنه إذا ارتكب الكبيرة مستصوبا ولا يعلم أنه معصية ولا يعلم أنه استصواب له لا يصير كافرا فإن التزام الكفر كفر لا لزومه انتهى وأنت خبير بأن الجهل ليس بعذر « 1 » فيما علم من الدين ضرورة كالخمر فإن مستصوبه كافر مطلقا ولزوم الكفر المعلوم ضرورة كفر كالتزامه فقد غلط ذلك القائل في الموضعين « 2 » . قوله : ( والمعتزلة لما قالوا الإيمان عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل والكفر تكذيب الحق وجحوده ) قد صرح المص في قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] الآية . إن الإيمان عبارة عن مجموع أمور ثلاثة اعتقاد الحق والإقرار به والعمل بمقتضاه عند جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج وقد صرح الزمخشري في أوائل السورة بأن الإيمان الصحيح أن يعتقد بالحق ويعرب عنه بلسانه ويصدقه بعمله وهو من رؤساء المعتزلة اعرف بمذهبه فمن أوهم بأن هذا قول جمهور المحدثين ومذهب المعتزلة أنه الطاعات قوله : والمعتزلة لما قالوا الخ يعني لما خصوا اسم الإيمان بالتصديق والإقرار والعمل واسم الكفر بتكذيب الحق لزمهم أن يقولوا بالواسطة بين الإيمان والكفر كتارك العمل الغير المكذب بالحق واستشهدوا على خلوده في العذاب بظواهر الآيات الواردة فيه .
--> ( 1 ) صرح به الخيالي في بحث الصفات . ( 2 ) نقله علي القاري في أواخر شرح الفقه الأكبر عن قاضيخان حيث قال ففي فتاوى قاضيخان أما إذا تكلم بكلمة كفر ولم يدر أنها كلمة كفر فقيل لا يكفر لعذره بالجهل وقيل يكفر ولا يعذر بالجهل ثم قال أقول الأظهر الأول إلا إذا كان من قبيل ما يعلم من الدين ضرورة فإنه حينئذ يكفر ولا يعذر بالجهل .